محمد بن جرير الطبري
27
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما قال : كانت السماوات رتقا لا ينزل منها مطر ، وكانت الأرض رتقا لا يخرج منها نبات ، ففتقهما الله ، فأنزل مطر السماء ، وشق الأرض فأخرج نباتها . وقرأ : ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون . وقال آخرون : إنما قيل ففتقناهما لان الليل كان قبل النهار ، ففتق النهار . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن أبيه ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : خلق الليل قبل النهار . ثم قال : كانتا رتقا ففتقناهما . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : معنى ذلك : أو لم ير الذي كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا من المطر والنبات ، ففتقنا السماء بالغيث والأرض بالنبات . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك لدلالة قوله : وجعلنا من الماء كل شئ حي على ذلك ، وأنه جل ثناؤه لم يعقب ذلك بوصف الماء بهذه الصفة إلا والذي تقدمه من ذكر أسبابه . فإن قال قائل : فإن كان ذلك كذلك ، فكيف قيل : أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ، والغيث إنما ينزل من السماء الدنيا قيل : إن ذلك مختلف فيه ، قد قال قوم : إنما ينزل من السماء السابعة ، وقال آخرون : من السماء الرابعة ، ولو كان ذلك أيضا كما ذكرت من أنه ينزل من السماء الدنيا ، لم يكن في قوله : أن السماوات والأرض دليل على خلاف ما قلنا ، لأنه لا يمتنع أن يقال السماوات والمراد منها واحدة فتجمع ، لان كل قطعة منها سماء ، كما يقال : ثوب أخلاق ، وقميص أسمال . فإن قال قائل : وكيف قيل إن السماوات والأرض كانتا ، فالسماوات جمع ، وحكم جمع الإناث أن يقال في قليلة كن ، وفي كثيره كانت ؟ قيل : إنما قيل ذلك كذلك لأنهما صنفان ، فالسماوات نوع ، والأرض آخر وذلك نظير قول الأسود بن يعفر :